أبي هلال العسكري
174
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقيل للفرزدق : ما صيّرك إلى القصائد القصار بعد الطوال ؟ فقال : لأنى رأيتها في الصدور أوقع ، وفي المحافل أجول . وقالت بنت الحطيئة لأبيها : ما بال قصارك أكثر من طوالك ؟ فقال : لأنها في الآذان أولج ، وبالأفواه أعلق . وقال أبو سفيان لابن الزبعرى : قصرت في شعرك ؟ فقال : حسبك من الشّعر غرّة لائحة ، وسمة واضحة . وقيل للنابغة الذبياني : الا تطيل القصائد كما أطال صاحبك ابن حجر ؟ فقال : من انتحل انتقر « 1 » . وقيل لبعض المحدثين : مالك لا تزيد على أربعة واثنين ؟ قال : هنّ بالقلوب أوقع ، وإلى الحفظ أسرع ، وبالألسن أعلق ، وللمعاني أجمع ، وصاحبها أبلغ وأوجز . وقيل لابن حازم : ألا تطيل القصائد ؟ فقال : أبى لي أن أطيل الشعر قصدي * إلى المعنى وعلمي بالصّواب وإيجازى بمختصر قريب * حذفت به الفضول من الجواب فابعثهنّ أربعة وستّا * مثقفة بألفاظ عذاب خوالد ما حدا ليل نهارا * وما حسن الصّبا بأخي الشّباب وهنّ إذا وسمت بهنّ قوما * كأطواق الحمائم في الرّقاب وكنّ إذا أقمت مسافرات * تهاداها الرّواة مع الرّكاب « 2 » وقال أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه : ما رأيت بليغا قطّ إلّا وله في القول إيجاز ، وفي المعاني إطالة . وقيل لإياس بن معاوية : ما فيك عيب غير أنك كثير الكلام . قال : أفتسمعون صوابا أم خطأ ؟ قالوا : بل صوابا . قال : فالزيادة من الخير خير . وليس كما قال ؛ لأنّ للكلام غاية ؛ ولنشاط السامعين نهاية ؛ وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا إلى
--> ( 1 ) الانتقار : الاختيار . ( 2 ) هذا البيت لم يرد في ا ، ب وفي ط : تهاداه .